فصل: الحديث التَّاسِع بعد الْأَرْبَعين:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير



.الحديث الثَّلَاثُونَ:

«أَن أَصْحَاب رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانُوا يتئدون بَين الرُّكْنَيْنِ اليمانيين» وَذَلِكَ أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ قد شَرط عَلَيْهِم عَام الصد أَن ينجلوا عَن بطحاء مَكَّة إِذا عَادوا لقَضَاء الْعمرَة، فَلَمَّا عَادوا وفارقوا «قعيقعان»- وَهُوَ جبل فِي مُقَابل الْحجر والميزاب- فَكَانُوا يظهرون الْقُوَّة والجلادة حَيْثُ تقع أَبْصَارهم عَلَيْهِم، فَإِذا صَارُوا بَين الرُّكْنَيْنِ اليمانيين كَانَ الْبَيْت حَائِلا بَينهم وَبَين أبصار الْكفَّار.
هُوَ كَمَا قَالَ، وَهُوَ حَدِيث ابْن عَبَّاس السالف.
وَقَوله: «لقَضَاء الْعمرَة» صَوَابه: «لعمرة الْقَضَاء»، أَي: الشَّرْط، أَنهم قَاضَوْهُ- أَي: شارطوه- فِي عَام الْحُدَيْبِيَة عَلَى أَن يتَحَلَّل، وَيعود الْعَام الْقَابِل فِي شُرُوط أُخْرَى، وَتسَمَّى أَيْضا «عمْرَة الْقَضِيَّة» كَذَلِك، قَالَ الْعلمَاء: وَلَيْسَ تَسْمِيَتهَا بِهَذَا الِاسْم من الْقَضَاء، بِمَعْنى اسْتِدْرَاك الْعِبَادَة، وَمَا يُؤَيّدهُ أَن الْقَضَاء لَا يجب عَلَى الْمحصر.
وَقَوله: يتئدون كَذَا رَأَيْته وَهُوَ من التؤدة، وَذكره بعض شُيُوخنَا بِلَفْظ: «يبازون» ثمَّ قَالَ: وَهُوَ بِالْبَاء الْمُوَحدَة الْمَفْتُوحَة وزاي مُعْجمَة بعْدهَا ألِف يَقُول: يبازي فلَان فِي مَشْيه، أَي: حرَّك عجيزته. قَالَ: وَيُقَال أَيْضا بالراء الْمُهْملَة من المباراة وَهِي الْمُسَابقَة والمجاراة، قَالَ: وَهَذَا الثَّانِي مُنَاسِب فِي الْمَعْنى للدليل.

.الحديث الحَادِي بعد الثَّلَاثِينَ:

«أَنه عَلَيْهِ السَّلَام لم يرمل فِي طَوَافه بَعْدَمَا أَفَاضَ».
هُوَ كَمَا قَالَ؛ فقد رَوَى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه فِي سُنَنهمْ وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث ابْن عَبَّاس: «أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يرمل فِي السَّبع الَّذِي أَفَاضَ فِيهِ». قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ.

.الحديث الثَّانِي بعد الثَّلَاثِينَ:

«أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم رمل فِي طواف عُمَره كلِّها وَفِي بعض أَنْوَاع الطّواف فِي الْحَج».
أما «أَنه رمل فِي طواف عُمَره كلِّها» فَأخْرجهُ كَذَلِك أَحْمد فِي مُسْنده فَقَالَ: نَا أَبُو مُعَاوِيَة، نَا ابْن جريج، عَن عَطاء، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: «رمل رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حجِّه، وَفِي عُمَرِهِ كلِّها، وَأَبُو بكر وعمرُ وَعُثْمَان وَالْخُلَفَاء».
قلت: وَقد أسلفنا أَنه اعْتَمر أَربع عمر كُلهنَّ فِي ذِي الْقعدَة إِلَّا الَّتِي مَعَ حجَّته، وَمِنْهَا: عمْرَة الْحُدَيْبِيَة وَلَا طواف فِيهَا عوضا عَن الرمل؛ لِأَنَّهُ صد عَن الْبَيْت فَتنبه لذَلِك، أما عمْرَة الْقَضَاء، فَهِيَ سَبَب مَشْرُوعِيَّة الرَّمَل، وَأما عمْرَة الْجِعِرَّانَة، فَرمَلَ أَيْضا فِيهَا كَمَا أخرجه أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن عَبَّاس بِإِسْنَاد صَحِيح، وَأما عمرته الَّتِي مَعَ حجَّته، فَهُوَ كَانَ أَولا أحرم مُفردا ثمَّ أَدخل الْعمرَة عَلَيْهِ، وَرمل فِي طواف قدومه كَمَا سلف من حَدِيث جَابر، وَأما «أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ رمل فِي بعض أَنْوَاع الطّواف فِي الْحَج» فقد أسلفنا قَرِيبا من حَدِيث ابْن عَبَّاس: «أَنه لم يرمل فِي طواف الْإِفَاضَة»، وَذكرنَا آنِفا: «أَنه رمل فِي طواف الْقدوم» وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث ابْن عمر قَالَ: «رَأَيْت رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا طَاف فِي الْحَج أَو الْعمرَة أول مَا يقدم فَإِنَّهُ يسْعَى ثَلَاثَة أطواف بِالْبَيْتِ وَيَمْشي أَرْبعا» وَفِي رِوَايَة لَهما: «كَانَ إِذا طَاف بِالْبَيْتِ الطّواف الأول خب ثَلَاثًا وَمَشى أَرْبعا». وَفِي الْبَزَّار قَالَ: «طَاف سعيًا ليري الْمُشْركين قوته». قَالَ صَاحب الاقتراح: إِسْنَاده عَلَى شَرط خَ.

.الحديث الثَّالِث بعد الثَّلَاثِينَ:

رُوِيَ: «أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يَدْعُو فِي رمله: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حجًّا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا، وسعيًا مشكورًا».
هَذَا الحَدِيث غَرِيب، لم أر من خرجه بعد الْبَحْث عَنهُ، وَلم يذكرهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه ومَعْرفَته مَعَ كَثْرَة إطلاعه إِلَّا من كَلَام الشَّافِعِي رَحِمَهُ اللَّهُ. وَرُوِيَ هَذَا مَوْقُوفا، لَكِن فِي غير هَذَا الموطن، قَالَ سعيد بن مَنْصُور فِي سنَنه: نَا إِسْمَاعِيل بن زَكَرِيَّا، عَن لَيْث، عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد، عَن أَبِيه، عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ: «لما رَمَى جَمْرَة الْعقبَة قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حجًّا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا». قَالَ: وثنا سُفْيَان، عَن إِبْرَاهِيم، عَن ابْن أبي حرَّة «سمع ابْن عمر وَهُوَ يَرْمِي الْجمار وَهُوَ يَقُول: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حجًّا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا». قَالَ: ونا هشيم، أَنا مُغيرَة، عَن إِبْرَاهِيم: «كَانُوا يحبونَ للرجل إِذا رَمَى الْجمار أَن يَقُول: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حجًّا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا. قَالَ: قلت: أَقُول ذَلِك عِنْد كل جَمْرَة؟ قَالَ: نعم، إِن شِئْت». وَأما الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي كِتَابه الإِمام فَإِنَّهُ ذكر هَذِه الْآثَار فِي هَذَا الْفَصْل، فَإِنَّهُ قَالَ: فصل فِيمَن قَالَ لَا رمل بَين الرُّكْنَيْنِ. ثمَّ ذكر حَدِيث ابْن عَبَّاس السالف فِي الرمل، وَذكر هَذِه الْآثَار عقب ذَلِك، فَلَعَلَّهُ سقط من النُّسْخَة هُنَا شَيْء.
وَقَوله: «وذنبًا» هُوَ مَنْصُوب بإضمار فعل، أَي: وَاجعَل ذَنبي ذَنبا مغفورًا، وسعيي سعيًا مشكورًا.

.الحديث الرَّابِع بعد الثَّلَاثِينَ:

«أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بَدَأَ بالصفا، وَقَالَ: ابدءوا بِمَا بَدَأَ الله بِهِ».
هَذَا الحَدِيث سلف عَن صَحِيح مُسلم من حَدِيث جَابر الطَّوِيل، لكنه لَفظه: «أبدأ» عَلَى الْخَبَر. وَكَذَا أخرجه أَبُو نعيم فِي مستخرجه عَلَيْهِ، وَرَوَاهُ أَحْمد وَمَالك وسُفْيَان وَابْن الْجَارُود وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ بِلَفْظ: «نبدأ» وَكَذَا ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَرَوَاهُ النسائيُّ فِي سنَنه الْكَبِير بِلَفْظ: «ابدءوا» كَمَا ذكره الرَّافِعِيّ، وَصَححهُ ابْن حزم وَاحْتج بِهِ عَلَى وجوب التَّرْتِيب فِي الْوضُوء، وَقَالَ: هُوَ عُمُوم لَا يجوز أَن يخص مِنْهُ شَيْء. وَقَالَ النَّوَوِيّ: إسنادها عَلَى شَرط مُسلم. وخرّجها الدَّارَقُطْنِيّ من طرق أَيْضا. قَالَ صَاحب الإِمَام فِي الْوضُوء: الحَدِيث وَاحِد والمخرج وَاحِد، وَقد اجْتمع مَالك وسُفْيَان وَيَحْيَى بن سعيد، عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد، عَن أَبِيه، عَن جَابر عَلَى صِيغَة «نبدأ»، وَرَوَاهُ حَاتِم بن إِسْمَاعِيل، عَن جَعْفَر عَلَى صِيغَة الْإِخْبَار إِمَّا بِلَفْظ «أبدأ» أَو «نبدأ».

.الحديث الخَامِس بعد الثَّلَاثِينَ:

«الطّواف صَلَاة» بالْخبر.
هُوَ كَمَا قَالَ، وَقد سلف هَذَا الْخَبَر مَبْسُوطا فِي بَاب الْأَحْدَاث فَليُرَاجع مِنْهُ.

.الحديث السَّادِس بعد الثَّلَاثِينَ:

وَهُوَ مُشْتَمل عَلَى أَرْبَعَة أَحَادِيث:
قَالَ الرَّافِعِيّ فِي آخر الْفَصْل الْمَعْقُود للسعي: وَجَمِيع مَا ذَكرْنَاهُ من وظائف السَّعْي، قولا وفعلاً أَي: من التهليل وَالتَّكْبِير مِمَّا يَقُوله عَلَى الصَّفَا، والرقي عَلَى الصَّفَا حَتَّى رَأَى الْبَيْت، وَالْمَشْي بَينه وَبَين الصَّفَا والمروة، وَالْمَشْي فِي الْبَعْض، والعدو فِي الْبَعْض، وَالدُّعَاء فِي السَّعْي مَشْهُور فِي الْأَخْبَار.
هَذَا كَلَامه أما مَا يَقُوله عَلَى الصَّفَا من التهليل وَالتَّكْبِير فقد سلف فِي حَدِيث جَابر الطَّوِيل بِنَحْوِهِ، وَفِيه أَيْضا: «أَنه رقى عَلَى الصَّفَا حَتَّى رَأَى الْبَيْت»، وَفِيه الْمَشْي بَين الصَّفَا والمروة فِي بعضه، والعدو فِي الْبَاقِي أَيْضا. وَأما الدُّعَاء فِي السَّعْي ب: «اللَّهُمَّ اغْفِر وَارْحَمْ، وَتجَاوز عمّا تعلم، إِنَّك أَنْت الْأَعَز الأكرم» فَذكره الْمَاوَرْدِيّ فِي حاويه، وَالرُّويَانِيّ فِي بحره من غير تعْيين راو كَمَا فعل الرَّافِعِيّ، وَذكره صَاحب الْمُهَذّب من حَدِيث صَفِيَّة بنت شيبَة عَن امْرَأَة من بني نَوْفَل: «أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يَقُول بَين الصَّفَا والمروة: رب اغْفِر وَارْحَمْ، إِنَّك أَنْت الْأَعَز الأكرم». وبيَّض لَهُ الْمُنْذِرِيّ، وَلم يعزه النَّوَوِيّ، وَعَزاهُ الْمُحب فِي أَحْكَامه إِلَى المُلا فِي سيرته، وَهَذَا لَفظه: عَن امْرَأَة من بني نَوْفَل... إِلَى آخر مَا ذكره الشَّيْخ سَوَاء، وَعَن أُمِّ سَلمَة قَالَت: «كَانَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول فِي سَعْيه: رب اغْفِر وَارْحَمْ، واهد السَّبِيل الأقوم». ثمَّ قَالَ: أخرجهَا المُلا فِي سيرته، وَهُوَ فِي الْبَيْهَقِيّ من فعل ابْن مَسْعُود وَابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أما أثر ابْن مَسْعُود؛ فَرَوَاهُ من حَدِيث سُفْيَان، عَن مَنْصُور، عَن أبي وَائِل، عَن مَسْرُوق عَنهُ: «أَنه لمَّا هَبَط إِلَى الْوَادي سَعَى؛ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِر وَارْحَمْ وَأَنت الْأَعَز الأكرم». وَرَوَاهُ أَبُو بكر الشَّافِعِي فِي الْجُزْء التَّاسِع من جملَة أَحَادِيث رَوَاهَا إِسْحَاق عَن أبي حُذَيْفَة، عَن سُفْيَان، عَن الْأَعْمَش، عَن أبي وَائِل، عَن مَسْرُوق، عَن عبد الله أَنه قَالَ: «إِذا أتيت عَلَى بطن المسيل فَقل: رب اغْفِر وَارْحَمْ، وَأَنت الْأَعَز الأكرم». وَفِي نُسْخَة: «إِنَّك أَنْت»، وَلما ذكره الْبَيْهَقِيّ كَمَا مَضَى قَالَ: هَذَا أصح الرِّوَايَات فِي ذَلِك عَن ابْن مَسْعُود. وَلَعَلَّه يُشِير إِلَى تَضْعِيف مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي كتاب الدُّعَاء من حَدِيث لَيْث بن أبي سليم، عَن أبي إِسْحَاق، عَن عَلْقَمَة، عَن ابْن مَسْعُود: «أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ إِذا سَعَى بَين الصَّفَا والمروة فِي بطن المسيل قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِر وَارْحَمْ، وَأَنت الْأَعَز الأكرم». وَهُوَ كَذَلِك؛ فَإِن لَيْث بن أبي سليم قد ضُعِّف، وَأما إِمَام الْحَرَمَيْنِ فَادَّعَى فِي نهايته: أَنه صَحَّ أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يَقُول فِي سَعْيه: «اللَّهُمَّ اغْفِر وَارْحَمْ، واعف عَمَّا تعلم، وَأَنت الْأَعَز الأكرم، {رَبنَا آتنا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة وقنا عَذَاب النَّار}». وَأما أثر ابْن عمر؛ فَرَوَاهُ من طَرِيق زُهَيْر، نَا أَبُو إِسْحَاق قَالَ: «سَمِعت ابْن عمر يَقُول بَين الصَّفَا والمروة: رب اغْفِر وَارْحَمْ، وَأَنت-أَو: إِنَّك- الْأَعَز الأكرم».

.الحديث الأَرْبَعُونَ:

«أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَمن بعده لم يسعوا إِلَّا بعد الطّواف».
هُوَ كَمَا قَالَ، وَهُوَ مستفيض فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة استفاضة تغني عَن تدوينها.

.الحديث الحَادِي بعد الْأَرْبَعين:

«أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بَدَأَ بالصفا، وَختم بالمروة».
هَذَا صَحِيح، رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جَابر الطَّوِيل كَمَا سلف.

.الحديث الثَّانِي بعد الْأَرْبَعين:

«أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بعث أَبَا بكر أَمِيرا عَلَى الحجيج فِي السّنة التَّاسِعَة من الْهِجْرَة».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «أَن أَبَا بكر بَعثه فِي الْحجَّة الَّتِي أمره عَلَيْهَا رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، قبل حجَّة الْوَدَاع فِي رهطٍ يُؤذنُونَ فِي النَّاس يَوْم النَّحْر: أَن لَا يحجّ بعد الْعَام مُشْرك، وَلَا يطوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان».

.الحديث الثَّالِث بعد الْأَرْبَعين:

«أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم خطب النَّاس قبل التَّرويَة بِيَوْم، وَأخْبرهمْ بمناسكهم».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ الْحَاكِم ثمَّ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن عمر قَالَ: «كَانَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا كَانَ قبل التَّرويَة خطب النَّاس فَأخْبرهُم مناسكهم». قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد.
فَائِدَة: يَوْم التَّرويَة: هُوَ ثامن ذِي الْحجَّة، سمي بذلك لأَنهم كَانُوا يتروون بِحمْل المَاء مَعَهم من مَكَّة إِلَى عَرَفَات. هَذَا هُوَ الْمَشْهُور، وَقيل غير ذَلِك مِمَّا أوضحته فِي تخريجي لأحاديث الْمُهَذّب.

.الحديث الرَّابِع بعد الْأَرْبَعين:

«أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم مكث بمنى حَتَّى طلعت الشَّمْس، ثمَّ ركب، وَأمر بقبة من شعر أَن تضرب لَهُ بنمرة فَنزل بهَا».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث جَابر الطَّوِيل، وَقد سلف.
ونَمِرة: بِفَتْح أَوله وَكسر ثَانِيه، كَمَا ضَبطه الْبكْرِيّ وَغَيره، وَهُوَ مَوضِع مَعْرُوف بِقرب عَرَفَات.

.الحديث الخَامِس بعد الْأَرْبَعين:

رُوِيَ «أَنه رَاح إِلَى الْموقف؛ فَخَطب النَّاس الْخطْبَة الأولَى، ثمَّ أذن بِلَال، ثمَّ أَخذ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْخطْبَة الثَّانِيَة، ففرغ من الْخطْبَة وبلال من الْأَذَان، ثمَّ أَقَامَ بِلَال؛ فَصَلى الظّهْر، ثمَّ أَقَامَ فصلَّى الْعَصْر».
هَذَا الحَدِيث أَشَارَ إِلَيْهِ الرَّافِعِيّ، وَقد رَوَاهُ كَذَلِك الشَّافِعِي والْبَيْهَقِيّ عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد وَغَيره، عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد، عَن أَبِيه، عَن جَابر مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور، ثمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيّ: تفرد بِهِ هَكَذَا إِبْرَاهِيم بن أبي يَحْيَى.
قلت: كَيفَ يَقُول: تفرد بِهِ وَالشَّافِعِيّ يَقُول: نَا إِبْرَاهِيم وغيرُه؟! إِلَّا أَن يكون مُرَاده: أَنه لم يشْتَهر عَن غَيره. وَفِي مُسْند الشَّافِعِي عقب هَذَا الحَدِيث: أَنا الرّبيع، أَنا الشَّافِعِي، أَنا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل أَو عبد الله بن نَافِع، عَن ابْن أبي ذِئْب، عَن ابْن شهَاب، عَن سَالم، عَن أَبِيه، قَالَ أَبُو الْعَبَّاس- يَعْنِي بذلك- وَأَبُو الْعَبَّاس هَذَا هُوَ الْأَصَم، فَالَّذِي أبْهَمَه الشَّافِعِي فِي الأول قد فسَّرهُ ثَانِيًا بِأحد هذَيْن الرجلَيْن، لَكِن سَمِعت من ينْقل أَن هَذَا من أَوْهَام الْأَصَم وَإِنَّمَا حَدِيث سَالم هَذَا عَن أَبِيه فِي الْجمع بِمُزْدَلِفَة لَا يعرف. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَفِي حَدِيث جَابر الطَّوِيل مَا دَلَّ عَلَى أَنه خطبه ثمَّ أذن بِلَال إِلَّا أَنه لَيْسَ فِيهِ ذِكْر: «ثمَّ أَخذ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْخطْبَة الثَّانِيَة». وَقَالَ الْمُحب فِي أَحْكَامه: رِوَايَة الشَّافِعِي مُغَايرَة لرِوَايَة مُسلم من وَجْهَيْن: وَقت الْأَذَان وَمَكَان الْخطْبَة، فَإِن مُسلما ذكر أَن الْخطْبَة كَانَت بِبَطن الْوَادي قبل إتْيَان عَرَفَة، وَرِوَايَة الشَّافِعِي تخالفها، وحديثُ مُسلم أصح، ويتوجَّه بأمرٍ معقولٍ وَهُوَ: أنَّ الْمُؤَذّن قد أُمِرَ بالإنصات للخطبة كَمَا أُمِر غَيره، فَكيف يُؤذن مَن قد أُمِرَ بالإنصات ثمَّ لَا يَبْقَى للخطبة مَعَه.
فَائِدَة: إِذْ يفوت الْمَقْصُود فِيهَا أَكثر النَّاس لاشتغال سمعهم بِالْأَذَانِ عَن استماعها، وَذكر الملا فِي سيرته: «أَنه عَلَيْهِ السَّلَام لما فرغ من خطبَته أذن بِلَال، وَسكت رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلَمَّا فرغ بِلَال من الْأَذَان تكلم بِكَلِمَات، ثمَّ أَنَاخَ رَاحِلَته، وَأقَام بِلَال الصَّلَاة». وَهَذَا أقرب مِمَّا ذكره الشَّافِعِي؛ إِذْ لَيْسَ يفوت بِهِ سَماع الْمُؤَذّن بِهِ وَلَا غَيره.
تَنْبِيه: فِي سنَن أبي دَاوُد من حَدِيث ابْن عمر: «أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم جمع بَين الظّهْر وَالْعصر، ثمَّ خطب النَّاس، ثمَّ رَاح فَوقف عَلَى الْموقف من عَرَفَة». وَفِيه مُخَالفَة لحَدِيث جَابر فِي تَقْدِيم الصَّلَاة عَلَى الْخطْبَة، فَإِن فِي حَدِيث جَابر تَقْدِيم الْخطْبَة عَلَى الصَّلَاة، وَفِي إِسْنَاده ابْن إِسْحَاق، قَالَ عبد الْحق: وَتَقْدِيم الْخطْبَة هُوَ الْمَشْهُور الَّذِي عمل بِهِ الْمُسلمُونَ وَالْأَئِمَّة.

.الحديث السَّادِس بعد الْأَرْبَعين:

قَالَ الرَّافِعِيّ: «وَليقل الإِمَام إِذا سلم أَتموا يَا أهل مَكَّة؛ فَإنَّا قوم سفر. كَمَا قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم».
هُوَ كَمَا قَالَ، وَقَالَ هَذَا عَام الْفَتْح، كَمَا رَوَاهُ الشَّافِعِي عَن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم، عَن عليّ بن زيد بن جدعَان، عَن أبي نَضْرة عَن عمرَان بن حُصَيْن رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: «غزوت مَعَ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم؛ فَلم يصل إِلَّا رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة، وَحَجَجْت مَعَه فَلم يصل إِلَّا رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة، وَشهِدت مَعَه الْفَتْح فَأَقَامَ بِمَكَّة ثَمَان عشرَة لَيْلَة لَا يُصَلِّي إِلَّا رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ يَقُول لأهل الْبَلَد: أَتمُّوا؛ فإنَّا سفر». وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث عَلّي بن زيد أَيْضا كَمَا ذكرته فِي بَاب صَلَاة الْمُسَافِر. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ بِنَحْوِهِ، وَهَذَا لَفظه: «حججْت مَعَ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَصَلى رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ أبي بكر فَصَلى رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ عمر فَصَلى رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ عُثْمَان سِتّ سِنِين من خِلَافَته- أَو ثَمَان سِنِين- فصلَّى رَكْعَتَيْنِ». ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث حسن. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِأَلْفَاظ: أَحدهَا: «فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ يَقُول: يَا أهل مَكَّة أَتموا فصلُّوا رَكْعَتَيْنِ؛ فَإنَّا قوم سفر». ثَانِيهَا: «يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَيَقُول: أَتموا الصَّلَاة يَا أهل مَكَّة؛ فَإنَّا سفر». ثَالِثهَا: «يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ إِلَّا الْمغرب، ثمَّ يَقُول: يَا أهل مَكَّة، أَتموا صَلَاتكُمْ، فَإنَّا قوم سفر». ومداره من هَذِه الطّرق كلهَا عَلَى عليِّ بن زيد بن جدعَان، وَقد حسنه التِّرْمِذِيّ من طَرِيقه، وَهُوَ صَاحب غرائب كَمَا أسلفناه فِي بَاب بَيَان النَّجَاسَات، مَعَ كَلَام الْأَئِمَّة فِيهِ وَظَاهر إِيرَاد الرَّافِعِيّ وُرُوده وَهُوَ غَرِيب، وَرَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ من قَول عمر نَفسه فِي مَكَّة.
وسفر: بِفَتْح السِّين وَسُكُون الْفَاء، كَمَا سلف إيضاحه فِي بَاب مسح الْخُف.

.الحديث السَّابِع بعد الْأَرْبَعين:

«أَن سَالم بن عبد الله قَالَ للحجاج: إِن كنت تُرِيدُ تصيب السّنة: فأقصر الْخطْبَة وَعجل الْوُقُوف. فَقَالَ ابْن عمر: صدق».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه من حَدِيث سَالم بن عبد الله قَالَ: «كتب عبد الْملك بن مَرْوَان إِلَى الْحجَّاج أَن لَا تخَالف ابْن عمر فِي الْحَج، فجَاء ابْن عمر وَأَنا مَعَه يَوْم عَرَفَة حِين زَالَت الشَّمْس، فصاح عِنْد سرادق الْحجَّاج، فَخرج وَعَلِيهِ ملحفة معصفرة فَقَالَ: مَا لَك يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن؟ فَقَالَ: الرواح إِن كنتَ تُرِيدُ السّنة. قَالَ: هَذِه السَّاعَة؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فَأَنْظرْنِي حَتَّى أُفِيض عَلَى رَأْسِي ثمَّ أَخْرُج. فَنزل حَتَّى خرج الْحجَّاج فَسَار بيني وَبَين أبي، فَقلت: إِن كنت تُرِيدُ السّنة فأقصر الْخطْبَة وَعجل الْوُقُوف. فَجعل ينظر إِلَى عبدِ الله، فلمَّا رَأَى ذَلِك عبد الله قَالَ: صدق».
فَائِدَة: السرادق: الخباء وَشبهه، وكل مَا أحَاط بالشَّيْء. وَقيل: مَا يدار حول الخباء.

.الحديث الثَّامِن بعد الْأَرْبَعين:

«أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وقف واستقبل الْقبْلَة، وَجعل بطن نَاقَته للصخرات».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جَابر الطَّوِيل، وَقد سلف. قَالَ الرَّافِعِيّ بعد ذَلِك فِي كَلَامه عَلَى الْوُقُوف وموقف النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم عِنْد جبل الرَّحْمَة، مَعْرُوف. وَهُوَ كَمَا قَالَ.

.الحديث التَّاسِع بعد الْأَرْبَعين:

«أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وقف بِعَرَفَة رَاكِبًا».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ من حَدِيث أم الْفضل بنت الْحَارِث زوج الْعَبَّاس وَرَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جَابر.

.الحديث الخَمْسُونَ:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «أفضل الدُّعَاء دُعَاء يَوْم عَرَفَة، وَأفضل مَا قلت أَنا والنبيون من قبلي لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ عَن زِيَاد بن أبي زِيَاد مولَى ابْن عَبَّاس، عَن طَلْحَة بن عبيد الله بن كريز- بِفَتْح الْكَاف وَآخره زَاي- أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «أفضل الدُّعَاء دُعَاء يَوْم عَرَفَة، وَأفضل مَا قلت أَنا والنبيون من قبلي لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ». وَهَذَا مُرْسل، طَلْحَة هَذَا تَابِعِيّ كُوفِي، قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه: وَقد رُوِيَ عَن مَالك بِإِسْنَاد آخر مَوْصُولا، قَالَ: وَوَصله ضَعِيف. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي جامعه مطولا من حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جده أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «خير الدُّعَاء دُعَاء يَوْم عَرَفَة، وَخير مَا قلت أَنا والنبيون من قبلي لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، لَهُ الْملك وَله الْحَمد، وَهُوَ عَلَى كل شَيْء قدير». ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث غَرِيب، لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه، وَحَمَّاد بن أبي حميد الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده هُوَ أَبُو إِبْرَاهِيم الْمدنِي الْأنْصَارِيّ، وَلَيْسَ هُوَ بِالْقَوِيّ عِنْد أهل الحَدِيث. وَرَوَاهُ أَحْمد من هَذَا الطَّرِيق بِلَفْظ: «كَانَ أَكثر دُعَاء النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم عَرَفَة: لَا إِلَه إِلَّا الله، وَحده لَا شريك لَهُ، لَهُ الْملك وَله الْحَمد، وَهُوَ عَلَى كل شَيْء قدير». وَرَوَاهُ الْعقيلِيّ فِي تَارِيخه من حَدِيث نَافِع عَن ابْن عمر قَالَ: قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «أفضل دعائي وَدُعَاء الْأَنْبِيَاء قبلي عَشِيَّة عَرَفَة لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، لَهُ الْملك وَله الْحَمد، وَهُوَ عَلَى كل شَيْء قدير». قَالَ الْعقيلِيّ: فِي إِسْنَاده فرج بن فضَالة، قَالَ البُخَارِيّ: مُنكر الحَدِيث. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي مَنَاسِكه من حَدِيث عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه عَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «أفضل مَا قلت والأنبياء قبلي عَشِيَّة عَرَفَة: لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ عَلَى كل شَيْء قدير». وَفِي إِسْنَاده قيس بن الرّبيع القَاضِي وَقد سَاءَ حفظه بِأخرَة. قَالَ الرَّافِعِيّ: وأضيف إِلَيْهِ: «لَهُ الْملك وَله الْحَمد، وَهُوَ عَلَى كل شَيْء قدير، اللَّهُمَّ اجْعَل فِي قلبِي نورا، وَفِي سَمْعِي نورا وَفِي بَصرِي نورا، اللَّهُمَّ اشرح لي صَدْرِي، وَيسر لي أَمْرِي».
قلت: أما قَوْله: «لَهُ الْملك» إِلَى قَوْله: «قدير» فقد أسلفناه فِي عدَّة أَحَادِيث، وَأما قَوْله: «اللَّهُمَّ اجْعَل فِي قلبِي نورا...» إِلَى آخِره فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث مُوسَى بن عُبَيْدَة، عَن أَخِيه عبد الله بن عُبَيْدَة، عَن عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «أَكثر دعائي وَدُعَاء الْأَنْبِيَاء قبلي بِعَرَفَة: لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، لَهُ الْملك وَله الْحَمد، وَهُوَ عَلَى كل شَيْء قدير، اللَّهُمَّ اجْعَل فِي قلبِي نورا، وَفِي سَمْعِي نورا، وَفِي بَصرِي نورا، اللَّهُمَّ اشرح لي صَدْرِي وَيسر لي أَمْرِي، وَأَعُوذ بك من وسواس الصَّدْر، وشتات الْأَمر، وفتنة الْقَبْر، اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من شَرّ مَا يلج فِي اللَّيْل، وَشر مَا يلج فِي النَّهَار، وَشر مَا تهب بِهِ الرِّيَاح، وَمن شَرّ بوائق الدَّهْر». قَالَ الْبَيْهَقِيّ: تفرد بِهِ مُوسَى بن عُبَيْدَة الربذي، وَهُوَ ضَعِيف وَلم يدْرك أَخُوهُ عليًّا.
قلت: فَصَارَ الحَدِيث ضَعِيفا بِوَجْهَيْنِ، وَعبد الله أَخُو مُوسَى: ضَعِيف أَيْضا وقَالَ ابْن حبَان: مُنكر الحَدِيث جدًّا، لَيْسَ لَهُ راوٍ غير أَخِيه مُوسَى، ومُوسَى لَيْسَ بِشَيْء فِي الحَدِيث، وَلَا أَدْرِي الْبلَاء من أَيهمَا.

.الحديث الحَادِي بعد الْخمسين:

«أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يسير حِين دفع فِي حجَّة الْوَدَاع العَنَقَ، فَإِذا وجد فُرْجَة نَص».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث أُسَامَة بن زيد رَضِيَ اللَّهُ عَنْه كَذَلِك، وَفِي رِوَايَة لَهما: «فجوة» بدل «فُرْجَة» وهما بِمَعْنى. والفجوة: السعَة من الأَرْض. والفُّرجة: بِضَم الْفَاء وَفتحهَا. والعَنَق: بِفَتْح النُّون-: ضرب مَعْرُوف من السّير فِيهِ إسراع يسير. والنَصَّ:- بِفَتْح النُّون وَتَشْديد الصَّاد الْمُهْملَة- أَكثر من العَنَق. والفرجة: يُقَال: فرج بِلَا هَاء أَيْضا. ورُوِيَ فِي الحَدِيث بدلهَا: «فجوة لَهَا» وَهِي الْمَكَان المتسع يخرج إِلَيْهِ من مضيق.

.الحديث الثَّانِي بعد الْخمسين:

«أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَتَى الْمزْدَلِفَة فَجمع بهَا بَين الْمغرب وَالْعشَاء».
هَذَا الحَدِيث وجدتُه فِي المبيضة من هَذَا الْكتاب، وَلم أره الْآن فِي الرَّافِعِيّ، وَهُوَ حَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ من حَدِيث ابْن مَسْعُود وَابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَأبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ وَأُسَامَة بن زيد، ورَوَاهُ مُسلم من حَدِيث جَابر.

.الحديث الثَّالِث بعد الْخمسين:

قَالَ الرَّافِعِيّ: «وسلكَ الناسُ طريقَ المأْزمين،- وَهُوَ الطَّرِيق الضيّق بَين الجبلين- اقْتِدَاء بِالنَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالصَّحَابَة».
هُوَ كَمَا قَالَ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أُسَامَة بن زيد قَالَ: «دفع رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم من عَرَفَة، حَتَّى إِذا كَانَ بِالشعبِ نزل فَبَال ثمَّ تَوَضَّأ وَلم يسبغ الْوضُوء، فَقلت لَهُ: الصَّلَاة يَا رَسُول الله. فَقَالَ: الصَّلَاة أمامك». وَفِي رِوَايَة لَهما: «ردفت رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم من عَرَفَات، فَلَمَّا بلغ الشّعب الْأَيْسَر الَّذِي دون الْمزْدَلِفَة أَنَاخَ رَاحِلَته، فَبَال ثمَّ جَاءَ فصببتُ عَلَيْهِ الْوضُوء فَتَوَضَّأ وضُوءًا خَفِيفا، فَقلت: الصَّلَاة يَا رَسُول الله. فَقَالَ: الصَّلَاة أمامك». ترْجم عَلَيْهِ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه: من اسْتحبَّ سلوك طَرِيق المأْزمين دون طَرِيق ضبٍّ.
والمأْزم: بِهَمْزَة بعد الْمِيم، وَكسر الزَّاي، وَقد فسَّرَهُ الرَّافِعِيّ كَمَا سلف.